القاضي عبد الجبار الهمذاني
286
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ثم يقال لهم : يجب أن لا يحسن استئجار أهل الصنائع للأعمال الشاقة بالعوض لأن ذلك يقبح على قولكم من وجهين : أحدهما لما يلحق من الضرر بدفع الأجرة ، والثاني لما فيه من إلزام الغير المشقة . وإذا حسن ذلك علم بطلان قولكم . فإن قالوا : لما ثبت في الظلم أنه يقبح ، وعلمنا أنه يقبح من حيث كان ألما ، فيجب في كل ألم أن يكون قبيحا . قيل لهم « 1 » : ومن أين أن الظلم إنما يقبح لأنه ألم ؟ وهل نازعنا كم إلا في ذلك وأوردنا عليه دليلا ؟ فإن قالوا : لأنه لو كان لذة لحسن ، وعلمنا أنه إنما يقبح لكونه ألما . قيل لهم « 2 » : قد يكون لذة ويقبح . وقد يكون ألما ويحسن . فالذي ادعيتموه غير مسلم . يبين ذلك أنه مع كونه ألما بالنفع العظيم قد يحسن ، كما يحسن بخروجه من كونه ألما إلى أن يكون لذة ، فكيف يصح ما ادعوه . وإنما يقبح عندنا الظلم من حيث كان ظلما ، لأن عند العلم بذلك من حاله ، يعلم قبحه . والألم يشاركه في أنه ظلم إذا كان فيه نفع ودفع مضرة ، فكيف يجوز أن يقاس عليه ؟ ولا فرق بين هذا القياس وبين من قال : إذا كان الظلم يمنع العقلاء منه ، فيجب أن يمتنعوا من الألم إذا كان فيه نفع ودفع مضرة . فكما لا تجوز هذه الطريقة - لأنها ناقضة لما في العقول - فكذلك القول فيما قدمناه . ولا فرق بين من قال ذلك وبين من قال : إذا حسن أكل ما يملكه ، فواجب أن يحسن أكل ما لا يملكه ؛ وإذا حسن أكل الحلو اللذيذ إذا خلا من سم ، فيجب أن يحسن ما فيه سم . فكما يبطل ذلك من حيث يقتضي قلب العقول ، فكذلك ما قالوه .
--> ( 1 ) في الأصل له . ( 2 ) في الأصل له .